عماد الدين خليل
303
دراسة في السيرة
فإن عرب المدينة الوثنيين وجدوا أنفسهم في مأمن في حالة إعلان رفضهم للإسلام وعدم قبول سلطته أسوة بقريش زعيمة الوثنية ، وأغلب الظن أنهم كانوا على اتصال بقريش لتنسيق العمل بين الطرفين ووضع الإسلام في شقي الرحى ، الأمر الذي دفع الرسول صلى اللّه عليه وسلم إلى أن يؤكد في ميثاقه على منع أي اتصال من قبل أحد من المدنيين بقريش أو التعاون معها في السلم والحرب . ويذكر محمد حميد اللّه في ( مجموعة الوثائق ) أن كفار قريش كتبوا إلى عبد اللّه بن أبيّ بن أبي سلول ، ومن كان يعبد معه الأوثان من الأوس الخزرج ، قبل وقعة بدر « إنكم آويتم صاحبنا ، وإنا نقسم باللّه لنقاتلنه أو لنسيرنّ إليكم بأجمعنا حتى نقتل مقاتلتكم ونسبي نساءكم » . ولكن لم يؤثر تهديد الكفار ولا ترغيب المنافقين في مسلمي الأنصار « 1 » . وجاءت معركة بدر إيذانا بانتصار الدولة الناشئة على القيادة الوثنية المتمثلة بقريش . يقول الواقدي : « لما قدم الرسول صلى اللّه عليه وسلم بالأسرى أذل اللّه بذلك رقاب المشركين والمنافقين واليهود ، ولم يبق بالمدينة يهودي ولا منافق إلا خضد عنقه لوقعة بدر » « 2 » . وكان مشركو يثرب قد منّوا أنفسهم بهزيمة المسلمين ، فقال رجل منهم لبعض المسلمين ، وهو يرى أسامة بن زيد قادما من ساحة القتال : « قتل صاحبكم ومن معه » وقال آخر : « قد تفرق أصحابكم تفرقا لا يجتمعون بعده ، وقتل محمد ، وهذه ناقته نعرفها ، وهذا زيد لا يدري ما يقول من الرعب » « 3 » . ولكن الحقيقة سرعان ما فرضت نفسها على الجميع ووجد العرب الوثنيون في المدينة أنفسهم في وضع حرج ، فهم إما أن يبقوا على كفرهم فيعرضوا أنفسهم للعقاب وإما أن ينتموا للدين الجديد ، وهم لم يألفوا الانضباط والانقياد ، ولا وجدوا في أنفسهم انفتاحا على تعاليم الإسلام وإلزاماته ومبادئه بدافع من تكوينهم الاجتماعي القبلي ، وسرعان ما وجد زعيمهم عبد اللّه بن أبيّ بن أبي سلول - الذي كان قد رشح لتتويجه ملكا على عرب المدينة قبل هجرة الرسول صلى اللّه عليه وسلم ، وبدأ الصناع بنسج تاجه « 4 » - أن خير وسيلة للخروج من هذا المأزق هو أن يعلن هو وأتباعه إسلامهم ظاهرا ، ويبقوا على اعتقاداتهم وعلاقاتهم
--> ( 1 ) محمد حميد اللّه : مجموعة الوثائق ، ص 66 . ( 2 ) مغازي رسول اللّه : 1 / 121 . ( 3 ) البلاذري : أنساب الأشراف ، 1 / 294 . ( 4 ) انظر صحيح البخاري : 7 / 185 - 186 ( بشرح فتح الباري ) ومسلم 5 / 182 - 183 ، وأحمد 5 / 203 .